أبي منصور الماتريدي
81
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كقولهم : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [ إبراهيم : 44 ] ؛ وكقوله تعالى : رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [ المؤمنون : 99 ، 100 ] وكقولهم : نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ فاطر : 37 ] وأمثاله وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] ؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما عاين فرعون ، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ذلك قول دفع ، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة واختيار . والثاني : أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى الله ، فإذا آمن في وقت خرجت نفسه من يده لم يصر مسلما نفسه إلى الله ؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك . ويحتمل وجها آخر : وهو أن الإيمان بالله [ لا يكون إلا بالاستدلال ] « 1 » بالشاهد على الغائب ، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت ؛ إذ لا يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر [ وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر ] « 2 » ؛ لذلك لم يكن إيمان حقيقة ، والله أعلم . وأما قوله : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ قيل فيه بوجوه : قيل : قوله : نُنَجِّيكَ من النجوة ، أي : نلقيك على النجوة وهو مكان الارتفاع والإشراف « 3 » ؛ ليراه كل أحد أنه هلك ليظهر لهم أنه لم يكن إلها على ما ادعى لعنه الله ، وأما سائر أبدان قومه لم تلق على النجوة ولكن بقيت في البحر . والثاني : قيل : نُنَجِّيكَ أي : نخرجك من البحر ولا نتركك فيه لتكون لمن خلفك آية . والثالث : ننجيك ببدنك ولا نتبع بدنك روحك « 4 » ؛ لأنه ذكر في القصة أنهم لما غرقوا هم وأغرق ، أخذ إلى النار ؛ كقوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] أخبر أنه لم يهو جسده بروحه إلى النار ، ولكن أخرج بدنه وهوت روحه إلى النار مع سائر قومه - والله أعلم - ليرى جسده ويظهر كذبه ولا يشتبه أمره عليهم .
--> ( 1 ) في ب : إنما هو يكون بالاستدلال . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 367 ) ، وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 188 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 607 ) ( 17885 و 17886 و 17887 و 17892 و 17893 ) عن مجاهد . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 570 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد .